المحاصصة.. ثوب العراق البالي

16680 مشاهدة
09:35 - 2022-11-18
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير

بعد انهيار النظام السياسي في العراق بعد 2003/4/9، من خلال التدخل العسكري الأمريكي، اراد العراقيون إعادة بناء الدولة العراقية بأسلوب جديد وفكر مختلف تماما عن الدكتاتورية التي تفردت بالسلطة لعقود من الزمن ، وكان لزاما ان يكون النظام الجديد قائما على أساس الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة واعتماد التجربة الديمقراطية كسبيل لبناء الدولة والانسان ،في ظل وجود دستور يحتوي تلك الأفكار. 

ابراهيم الجعفري اول رئيس وزراء لحكومة محاصصة بعد 2003

وحقق العراق نجاحاً نسبياً في ممارسة تلك الأفكار على أرض الواقع، إلا أن مراحل إعادة بناء الدولة العراقية مرت بتجارب صعبة ، ابرزها كان نظام المحاصصة، الذي اصبح هوية العملية السياسية في العراق التي كان معولا عليها في بناء الوطن بما يتطلع اليه العراقيون كدولة ديمقراطية، إذ كان من المؤمل أن تسير تلك العملية وفق الأنموذج الديمقراطي السليم كي تكون مفتاحاً لتحقيق الأمن والاستقرار والسلم الأهلي في العراق، عندما يشعر المواطنون بأنهم يمثلون بأفضل طريقة، مايضفي اجواء الثقة بين المواطن والدولة ،إلا أن تلك الثقة اصطدمت بمفهوم المحاصصة التي وجد فيها الفرقاء السياسيون الطريق الوحيد لإرضاء الجميع والمشاركة في السلطة، دون أن يعوا مخاطر ذلك على البنية الاجتماعية العراقية وتداعياتها على شعب خرج من نظام قمعي واصطدم بنظام ياخذ من هذا ويعطي لذاك!! 

لم يقتصر دور المحاصصة علــى المشــاركة فــي كل تفاصيل العمليــة السياســية، بل تعدى ذلك الى جميع مفاصل الحياة العامة للعراقيين ، في الجيش والاجهزة الأمنية والتعليم والصحة ودوائر ومؤسسات الدولة، حتى الرياضة والدوائر الخدمية وغيرهالم تسلم هي الأخرى من المحاصصة، والتي يجب ان تكون بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم كونها تمس خصوصيات المواطن ولاعلاقة لها بالسياسة او السلطة والحكم. 

قامــت الأحزاب المسيطرة المنتفعة من المحاصصة، باستثناءات خاصة لها، أصبحت تشكل تهديـداً للهويــة الوطنية، وتقدم مصلحة الهويات الفرعية وتحالفــاتها العصبيــة أو الطائفيــة أو القومية على المصلحة العامة، فانتجت واقعا مريرا وفشلا ذريعا على كل المستويات ، محاصصة حزبية واخرى طائفية وغيرها عرقية واثنية وقومية افشلت كل شيء وراح كل يقرب "النار لخبزته"، فتعطل كل شيء وتراجع العراق محليا ودوليا على جميع الصعد.  

قامت الأحزاب المسيطرة المنتفعة من المحاصصة باستثناءات خاصة لها، أصبحت تشكل تهديـداً للهويــة الوطنية وتقدم مصلحة الهويات الفرعية وتحالفــاتها العصبيــة أو الطائفيــة أو القومية على المصلحة العامة

وبقيت التوازنــات مــع المحاصصة مكونــاً أساسياً فــي النظام السياسي بعد 2003، فتزوير الانتخابــات على مدى دورات عديدة كان  بسبب المحاصصة ،وكان السلاح المنفلت هو الحارس لها لـدى بعض الفصائل والعشائر العراقية لفرض مرشــحيها فــي الانتخابــات البرلمانية والمحلية، بحيــث يلتــزم المنتمــون إلــى العشيرة والقرية بتأييــد مرشــحهم، بغــض النظــر عــن برنامــج المرشــح السياســي، كمــا يتجلــى دور المحاصصة فــي حــالات الاستقطاب السياســي أو الطائفي او القومي، والمواقف السياسية من القضايا الدولية، فلا شك في ان المحاصصة هي الوجه البارز للطائفية. 

وعــلى المســتوى الاقتصادي باتت ثروات العراق غنيمة تطمع فيها القوى الإقليمية والدولية، واصبح للمحاصصة السياسية رعاة من خارج العراق لهم دور محوري منذ إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، ولم تسعَ أحزاب المحاصصة السياسية في العراق التي تسلمت السلطة بعد الاحتلال الأميركي إلى إعادة بناء الاقتصاد العراقي، رغم توفر موارد مالية كبيرة، وبدلاً من ذلك تحول الاقتصاد إلى ريعي، نتج عنه نهب ثروات العراق من قبل قيادات النخب الحاكمـة، والاحزاب وانتشر الفساد المالي والإداري وتفاقمت البطالة والفقر وتردي مستوى الخدمات، وبات العراق مستوردا رئيسا من ايران وسوريا وغيرها ، حتى انه يستورد "الطماطم" وهو يزرعها بكثرة، هل وصلت المحاصصة حتى الى "الطماطم "! 

نوري المالكي رئيس وزراء لحكومتين محاصصتين للفترة من 2006 _ 2014

إدارات استولت على المناصب بالمحاصصة  لإدارة الدولة وفي جميـع المجـالات، ما أثر سـلباً عـلى سير العملية السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن الاختيار لشغل منصب ما يتم حسب الانتماء السياسي او القومي او الطائفي  او لمن يدفع ثمن المنصب،بغض النظر عن المؤهلات العلمية، أو العملية، فانتج هذا ادرارات فاسدة لا تفكر في خدمة بلدها ومواطنيها ولـن تفكر في الولاء للعراق، بل كان ولاؤها لسيد نعمتها الذي رشحها للمنصب! 

تعطيل المحاصصة بات صعبا بعد ان قطع العراق سنين طويلة بعد 2003 ،واصبحت للمحاصصة جذور عميقة صعّبت من اقتلاعها  ، لان ثمة من يسقي هذه العروق في كل دورة انتخابية بماء الطائفية والقومية والعرقية . 

لقد اضعفت المحاصصة السياسية قانون الدولة، وتمددت في إضعاف مؤسساتها ، فكثير من الوزارات والمؤسسات تقع حالياً تحت سلطة الأحزاب السياسية وفصائلها المسلحة، وأيضاً هناك مناطق كبيرة في شمال وغرب العراق تقع تحت سلطة الفصائل غير النظامية وتطلق عليها مناطق محررة، أو تحت سيطرة المكاتب الاقتصادية صاحبة السلاح التي تفرض سلطتها عند تقاسم المشاريع والمقاولات .

المحاصصة عبارة عن منهج سياسي اتبعته الكتل والأحزاب السياسية العراقية في توزيع المناصب والمكاسب السياسية والوظيفية على المكونات الحزبية الفائزة في الانتخابات تحت شعار إدارة شؤون البلاد من قبل الجميع دون استثناء، ومن هنا برزت مشكلة المحاصصة في العراق؛ كون أن قادتها السياسيين عدّوها الخيار الأمثل لتحديد هوية العراق السياسية بعد 2003، وعلى أساسها وضعوا برامجهم الانتخابية والحزبية المفتقدة للطابع الوطني الشامل. 

إن مشكلة المحاصصة الحزبية في العراق تكمن في أن أقطابها لا يدركون مفهوم العمل الحزبي أو معنى التحزب، فما يفهمونه هو مصالحهم الحزبية قبل كل شيء

أصبحت الإدارات غير قادرة على العمل وفق القانون أو تقويم الاعوجاج أو الانحراف ،وأصبحت تقف عاجزة أمام إقناع الفصائل المسلحة واستمرار الحكومة في دفع الأموال والاستثمارات من أجل كسب ود تلك الفصائل. 
  
بات تقاسم الثروات والسلطات وفق مفهوم المحاصصة يدار من داخل مكاتب الأحزاب المسيطرة ومن قبل متنفذين في الدولة، لا مانع لديهم في الوصول إلى السلطة على حساب مصالح أهلهم ، وإن أحد أكثر أسباب الفساد هو التطلع للسلطة عن طريق المحاصصة، لقد أصبحت المحاصصة الحزبية والطائفية  السبيل الوحيد في توزيع المناصب وفرص العمل وفي جميع قطاعات الدولة ، حتى تلك التي لاعلاقة لها بالسياسة كالرياضة والتعليم . 

مشهد مأساوي تترجمه المحاصصة في العراق مازال قائما حتى يومنا ، كانت بدايته بعد الاحتلال الأمريكي، والذي أخذ المحاصصة الطائفية انموذجا ووضع لبناته كبرنامج عمل لقوات الاحتلال الأمريكي المتمثلة بسلطة الائتلاف الموقته السابقة برئاسة الحاكم المدني الأمريكي السابق (بول بريمر)، وجسده مجلس الحكم الانتقالي الذي كان النقطة السياسية الأولى في مشروع المحاصصة الطائفية ، ورضيت به القوى السياسية العراقية وفق فكرة أنها مرحلة انتقالية لإقامة حكومة شراكة وطنية عراقية تمهيداً لمنهج التوافق في الحكم، متناسين ما قد ينتج عنه من تداعيات ما يزال المواطن العراقي يعاني منها. 

محاصصة حزبية لم تأتِ لاصلاح الواقع العراقي  بقدر ما جاءت لإرضاء المشاركين في السباق السياسي ، ولأجلهم تم استحداث وزارات جديدة بدلا من ترشيقها على مبدأ "اعطيك واعطيني "  في تفسير مشوّه للمحاصصة الديمقراطية، وهذا ما حدث ويحدث بعد كل انتخابات برلمانية في تسمية رئيسي الوزراء والجمهورية واختيار الكابينة الوزارية، وآخر صيحات المحاصصة ما جرى في اختيار رئيس الجمهورية وحكومة محمد شياع السوداني. 

محمد شياع السوداني رئيس حكومة المحاصصة الحالي

إن مشكلة المحاصصة الحزبية في العراق تكمن في أن أقطابها لا يدركون مفهوم العمل الحزبي أو معنى التحزب، فما يفهمونه هو مصالحهم الحزبية قبل كل شيء، فكل حزب يريد نصيبه من التمثيل البرلماني والحكومي وكأنه وقف سياسي له، لا يحق للآخرين الاقتراب منه بغض النظر عن مدى كفاءة أعضاء الحزب المرشحين لتولي تلك المناصب من عدمها ،لكن الثابت أولاً وأخيراً أن الشعب العراقي هو من سيقرر في نهاية المطاف مصير المحاصصة. 

ان تجاوز مفهوم التوافقية وتقاسم الحصص وتغليب الهوية الوطنية على الهويات الفرعية واعطاء الاولوية للمواطن في رسم سياسة الدولة وتبني مشروع سياسي يعيد للعراق دولته الضائعة ويكون بعيدا عن  المحاصصة تلك "الارضة" التي اكلت كل شيء بهدوء. 

 وكذلك تفكيك المشكلات وحلها هو الضامن الوحيد والأمثل لاستيعاب المجتمع وتعبئته وتوظيفه في تعزيز دور الدولة وتوجيه مسار العملية السياسية بالاتجاه الوطني الصحيح ، وهي كفيلة باعادة بناء الدولة العراقية ومغادرة المفاهيم التي ارتبطت بالمحاصصة والطائفية وغيرها مما ينبذه العراقيون ، فالامل والابواب مازالت مشرعة، لانتزاع الدولة العراقية من "فكي" المحاصصة والتوافقية وتحريرها ووضعها بايادٍ امينة تعيد للدولة هيبتها وللشعب حقوقه وهذا ما ينتظره العراقيون، وليس ما يستعرض به السياسيون ويمثلون به دور المصلح.
 

اختيار المحررين