الخوف من الحقيقة

106 مشاهدة
03:00 - 2026-07-12
فکر

هاني الخزرجي

لم يكن يخاف من الحقيقة نفسها، بل كان يخاف مما ستفعله الحقيقة بحياته.
جلس سالم في زاوية المسجد بعد صلاة المغرب، يراقب الوجوه التي تغادر بهدوء. كان يرى في أعين الناس شيئاً مألوفاً؛ طمأنينة ليست نابعة من يقين، وإنما من عادةٍ طال عليها الزمن.
اقترب منه صديقه ياسر، وجلس إلى جواره وهو يقول مبتسماً:
-ما الذي يشغلك اليوم؟ أراك غارقاً في التفكير.
تنهد سالم وقال:
-أتساءل… لماذا يخاف الناس من الحقيقة أكثر من خوفهم من الباطل؟
ابتسم ياسر ابتسامة قصيرة ثم قال:
-لأن الحقيقة تطلب ثمناً، أما الباطل فيكتفي بأن تترك نفسك تنجرف معه.
ساد الصمت بينهما لحظات، ثم أخذ سالم يتأمل المارة.
قال بصوت منخفض:
-الإنسان يولد صفحة بيضاء، ثم يملؤها المجتمع بما يشاء. يكبر وهو يظن أن كل ما ورثه حق لا يقبل النقاش، حتى يصبح السؤال نفسه جريمة في نظره.
أجاب ياسر:
-ليست المشكلة فيما ورثه، وإنما في خوفه من مراجعته.
هز سالم رأسه موافقاً.
-نعم… الخوف من التغيير. إنه السجن الذي يبقى الإنسان داخله حتى لو كانت أبوابه مفتوحة.
في تلك الليلة لم يستطع النوم.
ظل يتذكر رجالاً عرفهم طوال حياته. كانوا أصحاب علم وثقافة، وبعضهم كان يعترف في جلساته الخاصة بأن كثيراً مما يعتقده الناس لا يقوم على دليل راسخ.
لكنهم كانوا يقولون دائماً:
-دع الأمور كما هي… لسنا بحاجة إلى إثارة المشاكل.
وكان سالم يتساءل:
-إذا كان العالم يخاف، فكيف بالشخص البسيط؟
أليس صمت العالم أخطر من جهل الجاهل؟
في صباح اليوم التالي قصد شيخاً كبيراً عرف عنه الحكمة.
قال له:
-يا شيخ، لماذا يتمسك الإنسان بما يعلم أنه خطأ؟
ابتسم الشيخ وقال:
-لأنه لا يتمسك بالخطأ… بل يتمسك بالانتماء.
نظر إليه سالم مستغرباً.
أكمل الشيخ:
-الحقيقة قد تجعله يخسر مكانته بين الناس، وقد تبعده عن جماعته، وقد تعرضه للسخرية والاتهام. ولهذا يفضل كثيرون راحة الجماعة على عناء الحقيقة.
ثم أضاف:
-ولهذا كان جهاد النفس أعظم أنواع الجهاد؛ لأنك تحارب عدواً يسكن داخلك.
خرج سالم وهو يستعيد تاريخ الأنبياء.
لقد جاء الأنبياء بالحجة والبرهان، ومع ذلك كان أول من وقف في وجوههم أولئك الذين ألفوا ما وجدوا عليه آباءهم.
تذكر قوم النبي محمد ﷺ.
لم تكن مشكلتهم أنهم لم يفهموا دعوته، بل إن كثيراً منهم أدرك صدقها في قرارة نفسه.
لكن أحدهم كان يقول في نفسه:
-كيف أترك دين آبائي؟ ماذا سيقول الناس؟
وكان آخر يخشى أن يفقد مكانته بين قومه.
وثالث يعلم أن الأصنام لا تضر ولا تنفع، لكنه لم يستطع أن يهدم في يوم واحد ما بناه المجتمع في داخله طوال عمره.
وهكذا انتصر الخوف على العقل.
قال الشيخ في أحد مجالسه:
-لو كان الناس يرفضون الحق لأنه باطل، لهان الأمر، لكنهم كثيراً ما يرفضونه لأنه جديد.
ساد المجلس صمت عميق.
ثم تابع:
-النفس تألف الموروث، حتى لو كان وهماً، وتخاف المجهول، حتى لو كان يقيناً.
وأخذ سالم يقلب صفحات التاريخ.
رأى كيف تعرض الأنبياء للاضطهاد.
وكيف لاقى الصالحون والمصلحون العداء في كل عصر.
ثم وقف طويلاً عند مأساة الإمام الحسين عليه السلام.
قال في نفسه:
كم من إنسان كان يعلم منزلته وفضله، لكنه لم يمتلك شجاعة الوقوف معه.
فالخوف لا يمنع الإنسان من معرفة الحق، وإنما يمنعه أحياناً من الانتصار له.
وفي إحدى الأمسيات احتدم نقاش بين مجموعة من الشباب.
قال أحدهم بثقة:
-لماذا نبحث ونناقش؟ يكفينا ما سار عليه الآباء والأجداد.
ابتسم سالم وقال بهدوء:
-وهل كان آباؤنا معصومين؟
ساد الصمت.
وأضاف:
-احترام الآباء لا يعني أن نتوقف عن التفكير، وإلا لما أرسل الله الرسل أصلاً.
رد آخر بانفعال:
-لكن الناس جميعاً على هذا الطريق.
قال سالم:
-كثرة السائرين لا تجعل الطريق صحيحاً.
إن الحقيقة لا تُقاس بعدد أتباعها، وإنما بما تقوم عليه من دليل.
ومع مرور الأيام أدرك سالم أن أخطر الناس ليس الجاهل.
فالجاهل قد يتعلم.
أما الذي يعرف ثم يخاف، فإنه يصنع من خوفه مدرسة يتوارثها الآخرون.
وحين يخاف المثقف من إعلان ما يعتقده حقاً، يصبح خوفه حجةً يتكئ عليها أصحاب الأوهام.
فيقول الناس:
-لو كان الأمر كما تقولون، لسبقنا إليه العلماء.
وهكذا ينتقل الخوف من شخص إلى مجتمع، ومن جيل إلى جيل.
ومع الزمن، وجد سالم أن كثيراً من الناس قد سلّموا عقولهم لغيرهم.
لم يعودوا يسألون عن الدليل.
كان يكفيهم أن يسمعوا:
(نفّذ… ولا تفكر).
فالتفكير متعب.
أما التقليد فيمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان.
وكان هذا الأمان الزائف هو أخطر أنواع الخوف؛ لأنه يجعل الإنسان يطمئن إلى الوهم، ويخشى الحقيقة.
وفي ليلة هادئة، عاد سالم إلى الشيخ وسأله:
-وما العلاج؟
ابتسم الشيخ وقال:
-لا تهدم قناعات الناس بعنف، فالعقول لا تُفتح بالقوة.
قال سالم:
-فبماذا إذن؟
قال الشيخ:
-بالحكمة.
ثم أردف:
-ازرع السؤال قبل أن تقدم الجواب.
وأيقظ العقل قبل أن تطلب منه أن يغيّر قناعته.
ولا تجادل الناس لتنتصر عليهم، بل لتساعدهم على الانتصار على خوفهم.
وسكت قليلاً ثم قال:
-فإذا تحرر الإنسان من الخوف، أصبح قادراً على رؤية الحقيقة كما هي، لا كما يريدها الناس أن تكون.
عاد سالم يسير في الطريق المظلم، لكن قلبه كان أكثر نوراً من أي وقت مضى.
أدرك أن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الآخرين.
إنها معركة يخوضها كل يوم داخل نفسه.
بين صوت يقول له:
(ابقَ كما أنت… فالناس كلهم هكذا).
وصوت آخر يهمس بهدوء:
(اتبع الحقيقة… ولو سرت فيها وحدك).
وعرف يومها أن الخوف قد يهزم الإنسان سنوات طويلة، لكن الحقيقة لا تموت.
فهي تنتظر فقط من يمتلك الشجاعة الكافية ليطرق بابها، ويقبل ثمن الوصول إليها.