ميزان العدالة الرقمي مائلٌ
03:00 - 2026-06-16
تقاریر و تحقیقات
الداعي نيوز/ تحقيقات وتقارير
ملاحقة سريعة لـ"اصحاب المحتوى الهابط".. فلماذا ينجو صنّاع الفتنة الطائفية؟
الأسلحة الرقمية تهدد السلم المجتمعي في العراق، وبث السموم المذهبية يتحرك بغطاء سياسي وديني.
بغداد
بينما تنشغل منصات التواصل الاجتماعي والجهات الأمنية في العراق بملاحقة مقاطع الفيديو التي تُصنف على أنها "مخلة بالآداب العامة" أو "هابطة" يتحرك خلف الكواليس الرقمية وحشٌ أكثر ضراوة يهدد بتمزيق ما تبقى من نسيج السلم المجتمعي إنها "تجارة الطائفية الرقمية" التي تجد في المناسبات الدينية وأزمات المنطقة أرضاً خصبة للنمو وتقودها شخصيات تتستر برداء "الدين الموروث" وجيوش إلكترونية تابعة لجهات سياسية وسط تساؤلات حادة يطرحها الشارع العراقي: لماذا تضرب الدولة بيد من حديد على أصحاب "المحتوى الهابط" السلوكي بينما تغض الطرف عن صناع الفتنة والنعرات الطائفية؟
الميزان المائل: ملاحقة "التفاهة" وإغفال "الفتنة"
لماذا تضرب الدولة بيد من حديد على أصحاب "المحتوى الهابط" السلوكي بينما تغض الطرف عن صناع الفتنة والنعرات الطائفية؟
منذ فترة نفذت وزارة الداخلية العراقية، عبر لجنة "المحتوى المخل بالحياء والآداب العامة" حملة واسعة أسفرت عن اعتقال وتحريك دعاوى قضائية بحق عشرات الناشطين والناشطات على منصات "تيك توك" و"إنستغرام".
هذه الإجراءات واجهت انقساماً حاداً في الشارع العراقي:
• الفريق المؤيد: يرى فيها خطوة ضرورية لحماية الذوق العام والتقاليد المجتمعية من الانحدار السلوكي والأخلاقي.
• الفريق الرافض والمتحفظ: يبدي مخاوفه من استغلال هذه المصطلحات المطاطية لتكميم الأفواه، معتبرين أن هناك أولويات أمنية وقانونية أخطر بكثير تُترك دون معالجة.
يقول باحثون اجتماعيون لوكالة الداعي نيوز:
"إذا كان المحتوى الهابط يخدش الحياء العام أو يسيء للذوق فإن أثره يبقى محدوداً وسلوكياً بينما المحتوى الطائفي هو محتوى قاتل يستهدف تفكيك الدولة وإشعال الحروب الأهلية والسكوت عنه يمثل خطراً استراتيجياً على أمن البلاد".
قضية "أبو جنة": نموذج لتوجيه الرأي العام نحو الصدام
لم تكن الأحداث القريبة ببعيدة عن هذا المنزلق إذ شهدت الساحة الرقمية مؤخراً موجة من الشحن الطائفي المنظم ولعل ما جرى مع صانع المحتوى العراقي "أبو جنة" (الذي عُرف بمحتواه الإنساني وبساطته في بيع الأسماك ومساعدة الفقراء في الموصل) يمثل نموذجاً صارخاً إذ تم توظيف وتحوير حدث شعبي بريء ومقاطع فيديو خاصة به من قِبل مجموعات رقمية متشنجة لتحويلها فوراً إلى مادة للتراشق المذهبي والسياسي وقيادة الجمهور نحو حالة من الشرخ والانقسام السريع بدلاً من تعزيز قيم التعايش.
مواسم الفتنة: الرواديد والخطاب المذهبي المتطرف
يكشف الرصد الدقيق في هذا التحقيق أن المناسبات الدينية لم تعد تقتصر على الشعائر الروحية بل تحولت لدى بعض "صناع المحتوى الطائفي" إلى مواسم عالية الربح والتفاعل الرقمي.
ولا يقتصر الأمر على بعض خطباء المنابر من دعاة "الدين الموروث المتشنج" بل برزت في الآونة الأخيرة مقاطع وصوتيات لعدد من "الرواديد" الذين تجاوزوا حدود الرثاء الديني إلى إدخال عبارات السب والتكفير والتسفيه المباشر للرموز التاريخية والدينية للطوائف الأخرى هذه المقاطع المدعومة بألحان حماسية سريعة الانتشار يتم تداولها بكثافة على "تيك توك" و"ريلز إنستغرام" مما يستفز مشاعر الملايين ويقود فئة الشباب والمراهقين إلى معارك كلامية وافتراضية سرعان ما تنعكس احتقاناً في المقاهي والشوارع
الاستثمار السياسي: أصوات تبحث عن طوق نجاة
على الجانب الآخر تبرز خطورة الاندفاع السياسي فحيثما أخفقت مشاريع التنمية يتم اللجوء إلى التجييش الطائفي ويرصد هذا التحقيق تصاعد نبرة الخطاب الطائفي والمذهبي من قِبل بعض السياسيين والبرلمانيين -الحاليين والسابقين- بالتزامن مع التحضيرات والسباق الانتخابي.
إذا كان المحتوى الهابط يخدش الحياء العام أو يسيء للذوق فإن أثره يبقى محدوداً وسلوكياً بينما المحتوى الطائفي هو محتوى قاتل يستهدف تفكيك الدولة وإشعال الحروب الأهلية
ويرى مراقبون سياسيون تحدثوا لوكالة الداعي نيوز أن:
"هناك شخصيات وقوى سياسية خسرت رصيدها الشعبي بسبب ملفات الفساد أو الفشل الإداري أو عدم قدرتها على تحقيق تطلعات المواطنين. لذا تجد هذه الشخصيات في إثارة الأزمات المذهبية وإعادة العزف على أوتار الخوف من الآخر 'طوق نجاة' سياسي لاستثارة عواطف الشارع واستعادتها كأصوات انتخابية متجاهلين أنهم يغامرون بإعادة البلاد إلى المربع الأول".
الإعلام والجيوش الإلكترونية: هندسة صناعة الكراهية
إن هذا الشحن ليس عفوياً بالمرة بل يتم إدارته عبر أدوات إعلامية ورقمية دقيقة تهدف إلى قيادة الرأي العام وتوجيهه نحو التناحر وفي مقدمة هذه الأدوات تأتي الجيوش الإلكترونية (الذباب الرقمي) التي تمثل جهات سياسية وحزبية محددة إذ تتلخص مهمتها في اقتطاع أجزاء معينة من خطب دينية لبعض الرواديد أو الساسة وضخها بكثافة عبر آلاف الحسابات الوهمية فضلاً عن رفع وسوم (هاشتاغات) مسيئة ومحرضة لتصبح "تريند" قسري يفرض نفسه على المتصفح العراقي ويثير حفيظته.
بالتوازي مع ذلك، يتكامل الدور الرقمي مع التوجيه الإعلامي التقليدي، حيث تقع بعض القنوات الفضائية -المعروفة بتمويلها الحزبي الضيق- في فخ الإثارة عبر برامجها الحوارية. وتعمد هذه القنوات إلى استضافة شخصيات صدامية ومتطرفة بشكل متعمد، وإدارة الحوار بطريقة استفزازية تفتقر للمهنية، والهدف الأساسي هو رفع نسب المشاهدة وتفجير السجالات المذهبية على حساب السلم الأهلي، مما يحول الشاشات الافتراضية إلى ساحات حقيقية لتغذية البغضاء.
نصوص معطلة وغياب للإرادة القانونية
رغم أن هيئة الإعلام والاتصالات العراقية تمتلك "لائحة قواعد البث الإعلامي" والتي تنص صراحة على حظر "الانتقاص أو تشويه أو تسفيه المعتقدات الدينية للطوائف الأخرى"، ورغم وجود مواد في قانون العقوبات العراقي تحظر إثارة النعرات، إلا أن آليات التطبيق تبدو انتقائية. فبينما تتحرك الأجهزة الأمنية في غضون ساعات لاعتقال صانع محتوى بتهمة "الهبوط الأخلاقي"، تبدو الإجراءات خجولة ومترددة ومقيدة بالخطوط الحمراء السياسية عندما يتعلق الأمر برادود مدعوم من جهة مسلحة، أو سياسي محصن بكتلة برلمانية متنفذة.
هناك شخصيات وقوى سياسية خسرت رصيدها الشعبي بسبب ملفات الفساد أو الفشل الإداري أو عدم قدرتها على تحقيق تطلعات المواطنين. لذا تجد هذه الشخصيات في إثارة الأزمات المذهبية وإعادة العزف على أوتار الخوف من الآخر 'طوق نجاة' سياسي لاستثارة عواطف الشارع واستعادتها كأصوات انتخابية
الخلاصة والتوصيات: مطلوب صرامة بلا انتقائية
إن الوقوف أمام محتويين -أحدهما يخدش الذوق العام والآخر يهدد أمن وطن بكامله- يفرض على المؤسسة القضائية والتنفيذية إعادة ترتيب الأولويات بشكل عاجل وثوري.
إن وكالة الداعي نيوز الإخبارية، ومن خلال هذا الرصد والاستقصاء، تؤكد أن حماية السلم الأهلي تقتضي:
1. تطبيق القانون بلا انتقائية: ملاحقة دعاة الفتنة الطائفية (سواء كانوا سياسيين، خطباء، أو رواديد) بنفس الحزم والسرعة اللذين عومل بهما أصحاب "المحتوى الهابط"
2. تشريع قانون رادع لمكافحة خطاب الكراهية: يرفع الحصانة والغطاء السياسي عن أي جهة تروج للنعرات المذهبية.
3. محاسبة المنصات والفضائيات الحزبية: فرض عقوبات مشددة على الوسائل الإعلامية التي تقتات على إثارة الشرخ الاجتماعي وتوجيه الرأي العام نحو الصدام المذهبي.
محاربة "الهبوط السلوكي" خطوة لحماية المجتمع، لكن حماية العراقيين من "الهبوط الطائفي" الذي يكلف الدماء والاستقرار هي الواجب الأسمى لبناء دولة المواطنة الحقيقية.
آخر أخبار
-
عمليات بغداد : اغلاق معمل لقيامه باستبدال طحين الحصة التموينية بآخر غير صالح للاستهلاك البشري
03:00 - 2026-06-17
محلي -
روبوتات تساعد في الكشف عن الخلايا السرطانية "الكامنة" وتمنع عودتها
03:00 - 2026-06-17
صحة -
النزاهة: ضبط مسؤول في بلدية الديوانية متلبساً بتسلم رشوة
03:00 - 2026-06-17
محلي -
بعملية نوعية.. الإطاحة بثلاثة متهمين بالإرهاب جنوب ديالى
03:00 - 2026-06-17
محلي










